السيد كمال الحيدري
62
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
وهذا ما يطرح أمامنا أسئلةً مهمّةً حول أسبقيّتهم بالمعرفة والعبادة ، حيث بهم عُرف الله وبهم عُبد الله تعالى ؛ فكيف يتسنّى لنا توجيه ذلك مع كونهم ( عليهم السلام ) متأخّرين زماناً على سائر الأنبياء والمرسلين ، وأنّ أمّة الإسلام هي آخر الأمم ودينها خاتم الأديان ونبيّها خاتم الأنبياء وكتابها خاتم الكتب ؟ لا يوجد توجيهٌ لذلك سوى القول بالوجود الملكوتيّ السابق على الوجود الملكيّ ؛ والوجود الملكوتيّ فيه انبسطت المجرّدات من الوجود الأعظم السابق عليها ، والمسمّى بالوجود الجبروتيّ - أو ما يسمّى بالعقل في اصطلاحات الروايات - والجبروت بلحاظ الوحدة يكون هو الصادر الأوّل ، والصادر الأوّل بحسب الأخبار هو الرسول الأكرم ( ص ) أو بمعنىً أدقّ : هو الحقيقة المحمّديّة « 1 » . وعن الرسول الأكرم ( ص ) أنّه قال : « فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناكم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه ؟ لأنّ أوّل ما خلق الله عزّ وجلّ أرواحنا ، فأنطقنا بتوحيده وتمجيده ، ثمّ خلق الملائكة ، فلمّا شاهدوا أرواحنا نوراً واحداً استعظمت أمرنا ، فسبّحنا لتعلم الملائكة أنّا خلقٌ
--> ( 1 ) عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ ( رحمه الله ) ، أنّه قال : « قلت لرسول الله ( ص ) : أوّل شيءٍ خلق الله ما هو ؟ فقال ( ص ) : نور نبيّك - يا جابر - خلقه الله ثمّ خلق منه كلّ خيرٍ » . ( بحار الأنوار ، للعلّامة المجلسيّ : ج 15 ، ص 24 ، ح 43 ) ؛ الحقيقة المحمّديّة ليست شخصاً بعينه ، وإنّما هي مقامٌ عالٍ مصداقه الأتمّ هو الرسول الأكرم محمّد بن عبد الله ( ص ) ؛ ولذا سمّيت تلك الحقيقة باسمه الشريف . فشخص الرسول ( ص ) الخارجيّ المادّيّ العنصريّ مصداقٌ لتلك الحقيقة الأعلائيّة المقدّسة . ( انظر : شرح تمهيد القواعد للشيخ عبد الله جوادي آملي : ص 426 ) ؛ ولذلك عبّر السيّد الأستاذ : « أو بمعنىً أدقّ : هو الحقيقة المحمّديّة » ، للإشارة إلى مصداقيّة الرسول الأكرم ( ص ) للحقيقة المحمّديّة .